فصل: تفسير الآيات (1- 6):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أنوار التنزيل وأسرار التأويل المشهور بـ «تفسير البيضاوي»



.سورة فاطر:

مكية وآيها خمس وأربعون آية.

.تفسير الآيات (1- 6):

{الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (4) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6)}
{الحمد للَّهِ فَاطِرِ السموات والأرض} مبدعهما من الفطر بمعنى الشق كأنه شق العدم بإخراجهما منه، والإِضافة محضة لأنه بمعنى الماضي. {جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً} وسائط بين الله وبين أنبيائه والصالحين من عباده، يبلغون إليهم رسالاته بالوحي والإِلهام والرؤيا الصادقة، أو بينه وبين خلقه يوصلون إليهم آثار صنعه. {أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مثنى وثلاث ورباع} ذوي أجنحة متعددة متفاوتة بتفاوت ما لهم من المراتب ينزلون بها ويعرجون، أو يسرعون بها نحو ما وكلهم الله عليه فيتصرفون فيه على أمرهم به، ولعله لم يرد به خصوصية الإِعداد ونفي ما زال عليها، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام رأى جبريل ليلة المعراج وله ستمائة جناح {يَزِيدُ في الخلق مَا يَشَاءُ} استئناف للدلالة على أن تفاوتهم في ذلك بمقتضى مشيئته ومؤدى حكمته لا أمر تستدعيه ذواتهم، لأن اختلاف الأصناف، والأنواع بالخواص والفصول إن كان لذواتهم المشتركة لزم تنافي لوازم الأمور المتفقة وهو محال، والآية متناولة زيادات الصور والمعاني كملاحة الوجه وحسن الصوت وحصافة العقل وسماحة النفس. {إِنَّ الله على كُلِّ شَئ قَدِيرٌ} وتخصيص بعض الأشياء بالتحصيل دون بعض، إنما هو من جهة الإرادة.
{مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ} ما يطلق لهم ويرسل وهو من تجوز السبب للمسبب. {مِن رَّحْمَةِ} كنعمة وأمن وصحة وعلم ونبوة. {فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا} يحبسها. {وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ} يطلقه، واختلاف الضميرين لأن الموصول الأول مفسر بالرحمة والثاني مطلق بتناولها والغضب، وفي ذلك إشعار بأن رحمته سبقت غضبه. {مِن بَعْدِهِ} من بعد إمساكه. {وَهُوَ العزيز} الغالب على ما يشاء ليس لأحد أن ينازعه فيه. {الحكيم} لا يفعل إلا بعلم وإتقان. ثم لما بين أنه الموجد للملك والملكوت والمتصرف فيهما على الإِطلاق أمر الناس بشكر إنعامه فقال: {يا أيها الناس اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ} احفظوها بمعرفة حقها والاعتراف بها وطاعة موليها، ثم أنكر أن يكون لغيره في ذلك مدخل فيستحق أن يشرك به بقوله: {هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ مّنَ السماء والأرض لاَ إله إِلاَّ هُوَ فأنى تُؤْفَكُونَ} فمن أي وجه تصرفون عن التوحيد إلى إشراك غيره به، ورفع {غَيْر} للحمل على محل {مِنْ خالق} بأنه وصف أو بدل، فإن الاستفهام بمعنى النفي، أو لأنه فاعل {خالق} وجره حمزة والكسائي حملاً على لفظه، وقد نصب على الاستثناء، و{يَرْزُقُكُمْ} صفة ل {خالق} أو استئناف مفسر له أو كلام مبتدأ، وعلى الأخير يكون إطلاق {هَلْ مِنْ خالق} مانعاً من إطلاقه على غير الله.
{وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ} أي فتأس بهم في الصبر على تكذيبهم، فوضع {فَقَدْ كُذّبَتْ} موضعه استغناء بالسبب عن المسبب، وتنكير رسل للتعظيم المقتضي زيادة التسلية والحث على المصابرة.
{وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور} فيجازيك وإياهم على الصبر والتكذيب.
{يا أيها الناس إِنَّ وَعْدَ الله} بالحشر والجزاء. {حَقٌّ} لا خلف فيه. {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا} فيذهلكم التمتع بها عن طلب الآخرة والسعي لها. {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور} الشيطان بأن يمنيكم المغفرة مع الإِصرار على المعصية، فإنها وإن أمكنت لكن الذنب بهذا التوقع كتناول السم اعتماداً على دفع الطبيعة. وقرئ بالضم وهو مصدر أو جمع كقعود.
{إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ} عداوة عامة قديمة. {فاتخذوه عَدُوّاً} في عقائدكم وأفعالكم وكونوا على حذر منه في مجامع أحوالكم. {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أصحاب السعير} تقرير لعداوته وبيان لغرضه في دعوة شيعته إلى اتباع الهوى والركون إلى الدنيا.

.تفسير الآيات (7- 11):

{الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8) وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (9) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11)}
{الذين كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} وعيد لمن أجاب دعاءه ووعد لمن خالفه وقطع للأماني الفارغة، وبناء للأمر كله على الإِيمان والعمل الصالح وقوله: {أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً} تقرير له أي أفمن زين له سوء عمله بأن غلب وهمه وهواه على عقله حتى انتكس رأيه فرأى الباطل حقاً والقبيح حسناً، كمن لم يزين له بل وفق حتى عرف الحق واستحسن الأعمال واستقبحها على ما هي عليه، فحذف الجواب لدلالة: {فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ} وقيل تقديره أفمن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم حسرة، فحذف الجواب لدلالة: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات} عليه ومعناه فلا تهلك نفسك عليهم للحسرات على غيهم وإصرارهم على التكذيب، والفاءات الثلاث للسببية غير أن الأوليين دخلتا على السبب والثالثة دخلت على المسبب، وجمع الحسرات للدلالة على تضاعف اغتمامه على أحوالهم أو كثرة مساوي أفعالهم المقتضية للتأسف، وعليهم ليس صلة لها لأن صلة المصدر لا تتقدمه بل صلة تذهب أو بيان للمتحسر عليه. {إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} فيجازيهم عليه.
{والله الذي أَرْسَلَ الرياح} وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي الريح. {فَتُثِيرُ سحابا} على حكاية الحال الماضية استحضاراً لتلك الصورة البديعة الدالة على كمال الحكمة، ولأن المراد بيان أحداثها بهذه الخاصية ولذلك أسنده إليها، ويجوز أن يكون اختلاف الأفعال للدلالة على استمرار الأمر. {فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيّتٍ} وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص بالتشديد. {فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرض} بالمطر النازل منه وذكر السحاب كذكره، أو بالسحاب فإنه سبب السبب أو الصائر مطراً. {بَعْدَ مَوْتِهَا} بعد يبسها والعدول فيهما من الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص لما فيهما من مزيد الصنع. {كَذَلِكَ النشور} أي مثل إحياء الموات نشور الأموات في صحة المقدورية، إذ ليس بينهما إلا احتمال اختلاف المادة في المقيس عليه وذلك لا مدخل له فيها. وقيل في كيفية الإِحياء فإنه تعالى يرسل ماء من تحت العرش تنبت منه أجساد الخلق.
{مَن كَانَ يُرِيدُ العزة} الشرف والمنعة. {فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً} أي فليطلبها من عنده فإن له كلها، فاستغنى بالدليل عن المدلول. {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ} بيان لما يطلب به العزة وهو التوحيد والعمل الصالح، وصعودهما إليه مجاز عن قبوله إياهما، أو صعود الكتبة بصحيفتهما، والمستكن في {يَرْفَعُهُ} ل {الكلم} فإن العمل لا يقبل إلا بالتوحيد ويؤيده أنه نصب {العمل}، أو ل {العمل} فإنه يحقق الإِيمان ويقويه، أو لله وتخصيص العمل بهذا الشرف لما فيه من الكلفة. وقرئ: {يَصْعَدُ} على البناءين والمصعد هو الله تعالى أو المتكلم به أو الملك.
وقيل: {الكلم الطيب} يتناول الذكر والدعاء وقراءة القرآن. وعنه عليه الصلاة والسلام: «هو سبحان الله والحمد لله ولا إله لا الله والله أكبر، فإذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن، فإذا لم يكن عمل صالح لم تقبل». {والذين يَمْكُرُونَ} المكرات السيئات يعني مكرات قريش للنبي عليه الصلاة والسلام في دار الندوة وتداورهم الرأي في إحدى ثلاث حبسه وقتله وإجلائه. {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} لا يؤبه دونه بما يمكرون به. {وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} يفسد ولا ينفذ لأن الأمور مقدرة لا تتغير به كما دل عليه بقوله: {والله خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ} بخلق آدم عليه السلام منه. {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} بخلق ذريته منها. {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أزواجا} ذكراناً وإناثاً. {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} إلاَّ معلومة له. {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ} وما يمد في عمر من مصيره إلى الكبر. {وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} من عمر المعمر لغيره بأن يعطى له عمر ناقص من عمره، أو لا ينقص من عمر المنقوص عمره بجعله ناقصاً، والضمير له وإن لم يذكر لدلالة مقابله عليه أو للعمر على التسامح فيه ثقة بفهم السامع كقولهم: لا يثيب الله عبداً ولا يعاقبه إلا بحق. وقيل الزيادة والنقصان في عمر واحد باعتبار أسباب مختلفة أثبتت في اللوح مثل: أن يكون فيه إن حج عمرو فعمره ستون سنة وإلا فأربعون. وقيل المراد بالنقصان ما يمر من عمره وينقضي فإنه يكتب في صحيفة عمره يوماً فيوماً، وعن يعقوب {وَلاَ يُنقَصُ} على البناء للفاعل. {إِلاَّ في كتاب} هو علم الله تعالى أو اللوح المحفوظ أو الصحيفة. {إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ} إشارة إلى الحفظ أو الزيادة أو النقص.

.تفسير الآيات (12- 25):

{وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14) يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17) وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (24) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (25)}
{وَمَا يَسْتَوِى البحران هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ} ضرب مثل للمؤمن والكافر، والفرات الذي يكسر العطش والسائغ الذي يسهل انحداره، والأجاج الذي يحرق بملوحته. وقرئ: {سيغ} بالتشديد و{سيغ} بالتخفيف و{مِلْحٌ} على فعل. {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} استطراد في صفة البحرين وما فيهما من النعم، أو تمام التمثيل والمعنى: كما أنهما وإن اشتركا في بعض الفوائد لا يتساويان من حيث إنهما لا يتساويان فيما هو المقصود بالذات من الماء، فإنه خالط أحدهما ما أفسده وغيره عن كمال فطرته، لا يتساوى المؤمن والكافر وإن اتفق اشتراكهما في بعض الصفات كالشجاعة والسخاوة لاختلافهما فيما هو الخاصية العظمى وهي بقاء أحدهما على الفطرة الأصلية دون الآخر، أو تفضيل للأجاج على الكافر بما يشارك فيه العذب من المنافع. والمراد ب {الحلية} اللآلئ واليواقيت. {وَتَرَى الفلك فِيهِ} في كل. {مَوَاخِرَ} تشق الماء بجريها. {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} من فضل الله بالنقلة فيها، واللام متعلقة ب {مَوَاخِرَ}، ويجوز أن تتعلق بما دل عليه الأفعال المذكورة. {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} على ذلك وحرف الترجي باعتبار ما يقتضيه ظاهر الحال.
{يُولِجُ اليل في النهار وَيُولِجُ النهار في اليل وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى} هي مدة دوره أو منتهاه أو يوم القيامة. {ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لَهُ الملك} الإِشارة إلى الفاعل لهذه الأشياء. وفيها إشعار بأن فاعليته لها موجبة لثبوت الأخبار المترادفة، ويحتمل أن يكون {لَهُ الملك} كلاماً مبتدأ في قرآن. {والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ} للدلالة على تفرده بالألوهية والربوبية، والقطمير لفافة النواة.
{إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَاءَكُمْ} لأنهم جماد {وَلَوْ سَمِعُواْ} على سبيل الفرض. {مَا استجابوا لَكُمْ} لعدم قدرتهم على الإِنفاع، أو لتبرئهم منكم مما تدعون لهم. {وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} بإشراككم لهم يقرون ببطلانه أو يقولون {مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} {وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} ولا يخبرك بالأمر مخبر {مِثْلُ خَبِيرٍ} به أخبرك وهو الله سبحانه وتعالى، فإنه الخبير به على الحقيقة دون سائر المخبرين. والمراد تحقيق ما أخبر به من حال آلهتهم ونفي ما يدعون لهم.
{يا أيها الناس أَنتُمُ الفقراء إِلَى الله} في أنفسكم وما يعن لكم، وتعريف الفقراء للمبالغة في فقرهم كأنهم لشدة افتقارهم وكثرة احتياجهم هم الفقراء، وأن افتقار سائر الخلائق بالإِضافة إلى فقرهم غير معتد به ولذلك قال: {وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً} {والله هُوَ الغني الحميد} المستغني على الإِطلاق المنعم على سائر الموجودات حتى استحق عليهم الحمد.
{إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} بقوم آخرين أطوع منكم، أو بعالم آخر غير ما تعرفونه.
{وَمَا ذلك عَلَى الله بِعَزِيزٍ} بمتعذر أو متعسر.
{وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى، وأما قوله: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} ففي الضالين المضلين فإنهم يحملون أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم، وكل ذلك أوزارهم ليس فيها شيء من أوزار غيرهم. {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ} نفس أثقلها الأوزار. {إلى حِمْلِهَا} تحمل بعض أوزارها. {لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَئ} لم تجب لحمل شيء منه نفى أن يحمل عنها ذنبها كما نفى أن يحمل عليها ذنب غيرها. {وَلَوْ كَانَ ذَا قربى} ولو كان المدعو ذا قرابتها، فأضمر المدعو لدلالة إن تدع عليه. وقرئ: {ذو قربى} على حذف الخبر وهو أولى من جعل كان التامة فإنها لا تلائم نظم الكلام. {إِنَّمَا تُنذِرُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بالغيب} غائبين عن عذابه، أو عن الناس في خلواتهم، أو غائباً عنهم عذابه. {وَأَقَامُواْ الصلاة} فإنهم المنتفعون بالإِنذار لا غير، واختلاف الفعلين لما مر من الاستمرار. {وَمَن تزكى} ومن تطهر من دنس المعاصي. {فَإِنَّمَا يتزكى لِنَفْسِهِ} إذ نفعه لها، وقرئ: {ومن أزكى فإنما يزكي} وهو اعتراض مؤكد لخشيتهم وإقامتهم الصلاة لأنهما من جملة التزكي. {وإلى الله المصير} فيجازيهم على تزكيهم.
{وَمَا يَسْتَوِى الأعمى والبصير} الكافر والمؤمن، وقيل هما مثلان للصنم ولله عز وجل.
{وَلاَ الظلمات وَلاَ النور} ولا الباطل ولا الحق.
{وَلاَ الظل وَلاَ الحرور} ولا الثواب ولا العقاب، ولا لتأكيد نفي الاستواء وتكريرها على الشقين لمزيد التأكيد. و{الحرور} فعول من الحر غلب على السموم. وقيل السموم ما يهب نهاراً والحرور ما تهب ليلاً.
{وَمَا يَسْتَوِى الأحياء وَلاَ الأموات} تمثيل آخر للمؤمنين والكافرين أبلغ من الأول ولذلك كرر الفعل. وقيل للعلماء والجهلاء. {إِنَّ الله يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ} هدايته فيوفقه لفهم آياته والاتعاظ بعظاته. {وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن في القبور} ترشيح لتمثيل المصرين على الكفر بالأموات ومبالغة في إقناطه عنهم.
{إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ} فما عليك إلا الإِنذار وأما الإِسماع فلا إليك ولا حيلة لك إليه في المطبوع على قلوبهم.
{إِنَّا أرسلناك بالحق} محقين أو محقاً، أو إرسالاً مصحوباً بالحق، ويجوز أن يكون صلة لقوله: {بَشِيراً وَنَذِيراً} أي بشيراً بالوعد الحق ونذيراً بالوعيد الحق. {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ} أهل عصر. {إِلاَّ خَلاَ} مضى. {فِيهَا نَذِيرٌ} من نبي أو عالم ينذر عنه، والاكتفاء بذكره للعلم بأن النذارة قرينة البشارة سيما وقد قرن به من قبل، أو لأن الإِنذار هو الأهم المقصود من البعثة.
{وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات} بالمعجزات الشاهدة على نبوتهم. {وبالزبر} كصحف إبراهيم عليه السلام. {وبالكتاب المنير} كالتوراة والإِنجيل على إرادة التفصيل دون الجمع، ويجوز أن يراد بهما واحد والعطف لتغاير الوصفين.